محمد الغزالي

80

فقه السيرة ( الغزالي )

خديجة رضي اللّه عنها و ( خديجة ) مثل طيّب للمرأة التي تكمّل حياة الرجل العظيم ، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبا شديدة الحساسية ، ويلقون غبنا بالغا من الواقع الذي يريدون تغييره ، ويقاسون جهادا كبيرا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه ، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهّد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه ، بله الإدراك والمعونة ! وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال ، وكان لها في حياة محمد صلى اللّه عليه وسلم أثر كريم . قال ابن الأثير : « كانت - خديجة - امرأة تاجرة ذات شرف ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه ، فلمّا بلغها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدق الحديث ، وعظم الأمانة ، وكرم الأخلاق ، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره ، ومعه غلامها ميسرة » . وقد قبل محمد عليه الصلاة والسلام هذا العرض ، ورحل إلى الشام عاملا في مال السيدة التي اختارته ، ويظهر أن التوفيق حالفه في هذه الرحلة ، أكثر من سابقتها مع عمّه أبي طالب ، فكان ربحها أجزل ، وسرّت خديجة بهذا الخير الذي أحرزته ، ولكن إعجابها بالرجل الذي اختبرته كان أعمق . . . . إنها امرأة عريقة النسب ، ممدودة الثروة ، وقد عرفت بالحزم والعقل ، ومثلها مطمح لسادة قريش ، لولا أن السيدة كانت تحقر في كثير من الرجال أنهم طلاب مال لا طلاب نفوس ، وأن أبصارهم ترنو إليها بغية الإفادة من ثرائها ، وإن كان الزواج عنوان هذا الطمع ! لكنها عندما عرفت محمدا عليه الصلاة والسلام ، وجدت ضربا اخر من الرجال ؛ وجدت رجلا لا تستهواه ولا تدنيه حاجة ، ولعلها عندما حاسبت غيره في تجارتها وجدت الشحّ والاحتيال ، أما مع محمد صلى اللّه عليه وسلم فقد رأت رجلا تقفه كرامته الفارعة موقف النّبل والتجاوز ، فما تطلّع إلى مالها ولا إلى جمالها ! لقد أدى ما عليه ثم انصرف راضيا مرضيا .